لا جرم أن تقييم الأداء الوظيفي في بيئة العمل الحديثة ليست مجرد إجراء إداري دوري – تتولى جهة الإدارة القيام به – بل هو أداة رئيسية لقياس الموارد البشرية من خلال العديد من العناصر، منها على سبيل المثال لا الحصر: كفاءة العامل في القيام باختصاصاته الوظيفية – تحديد جوانب القوة والقصور – وبيان مدى الرابطة العلائقية بين أداء العامل بأهداف المؤسسة. وتزداد أهمية هذا التقييم عندما يقود ضعف الأداء إلى التفكير في إنهاء علاقة العمل؛ إذ تنتقل المسألة من نطاق الإدارة إلى نطاق قانوني يتطلب الالتزام بضوابط وإجراءات محددة.
وفي سلطنة عُمان، جاء قانون العمل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (53/2023) ليؤسس لمنهج يقوم على التوازن بين حق صاحب العمل في المحافظة على كفاءة منشأته، وحق العامل في الحصول على فرصة حقيقية لمعالجة أوجه القصور في أدائه الوظيفي قبل الوصول إلى قرار إنهاء خدمته.
وفي غير قليل من الحالات تقع بعض المؤسسات الخاصة في خطأ قانوني يتمثل في اتخاذ قرار فوري بإنهاء خدمة العامل نتيجة حصوله على تقييم أداء وظيفي بمرتبة "ضعيف"، وهو ما يتعارض مع النظام القانوني العماني، والنظام الإداري الحديث التي سارت عليه معظم النظم الإدارية المقارنة في العصر الحديث، من خلال وجوب أن يكون الأداء الضعيف أداة لتصحيح المسار المهني للعامل عوضًا عن انهاء علاقة العمل.ويبدأ هذا المسار في قيام جهة العمل بتحديد أوجه القصور بصورة واضحة وموضوعية، وإخطار العامل بها كتابةً، لتدارك تلك الأوجه وقيامه بتصويبها، فلا يكفي القول إن أداء العامل «دون المستوى المطلوب»، وإنما ينبغي تحديد جوانب الضعف وربطها بمهام العامل واختصاصاته الوظيفية، ومعايير الأداء المعتمدة للوظيفة التي يشغلها.
وتأسيسًا على ذلك، يستوجب من جهة الإدارة وضع الخطة المناسبة لتحسين أداء العامل للانتقال به من مرحلة التقييم إلى مرحلة المعالجة. حيث تساعد خطة تحسين الأداء – المؤسسة – في الانتقال من مجرد رصد أسباب التدني الوظيفي إلى معالجة أوجه القصور الفعلي. وبطبيعة الحال يجب أن تتضمن الخطة أهدافًا محددة للتقويم، ومؤشرات قابلة للقياس، وبرنامجًا واضحًا للرصد والمتابعة، إلى جانب تقديم الدعم لهذا العامل عبر إشراكه في ورش تدريبية وبرامج تأهيلية لمعالجة أداءه الوظيفي.
وتبرز هنا أهمية المادة (43) من قانون العمل العُماني، التي وضعت إطارًا قانونيًا للتعامل مع حالة عدم بلوغ العامل المستوى المطلوب من الكفاءة، بما في ذلك إخطار العامل بأوجه عدم الكفاءة ومنحه مهلة مناسبة لا تقل عن ستة أشهر للوصول إلى المستوى المطلوب.
ومفاد هذا النص القانوني اتاحت الفرصة للعامل لتدارك أسباب تدني مستواه المهني، قبل أن يترك ذات النص لجهة الإدارة حرية اتخاذ القرار المناسب في حالة عدم قيام العامل بتدارك تلك الأسباب، وذلك وفقًا للحديث النبوي والقاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار".
ولئن كان ذلك لحماية العامل من تعسف جهة الإدارة في استخدام سلطتها، إلا أنه في المقابل قد تمتلك هذه الجهة من المبررات الموضوعية التي تتعلق بضعف أداء أحد العاملين لديها، لذا وجب على هذه الجهة توثيق كافة مراحل تقويم العامل ابتداءً من عقد التقييم، والإخطارات الموجهة له، مرورًا بخطة التحسين وبرامج التدريب والتأهيل التي قامت باعتمادها في حق هذا العامل، وصولاً إلى النتائج المرتبة لمرحلة الرصد والمتابعة والتقييم النهائي.
ولا مساحة في القول أن الوصول إلى هذه المرحلة ينبغي أن يكون نتيجة مسار متكامل وواضح، يبدأ بالتشخيص، ثم الإخطار، فخطة التحسين، والتدريب والمتابعة والتوثيق، وينتهي بالتقييم النهائي. دون إغفال للإجراءات القانونية التي نص عليها قانون العمل، بالإضافة إلى وجوب تقيد جهة العمل في تعيين عامل عماني بديل للعامل الذي قامت جهة العمل بانهاء خدمته.
ولقد أبان القرار الوزاري رقم (317/2025) إلى أن تقييم الأداء المهني للعامل يترتب عليه آثار مالية، حيث أجاز لجهة العمل عدم منح العامل العلاوة الدورية المستحقة في حالة كان تقييم أداءه في مرتبة ضعيف، ولعل غاية المشرع من هذا المنع هو الموازنة بين كل من: الأداء المهني والاستحقاق المالي للعامل العُماني.
ولقد أوجب المشرع العماني بموجب المادة (22) من قانون العمل قيام المؤسسات – التي يتجاوز فيها عدد العاملين 25 عامل – استيفاء بعض الإجراءات التنظيمية، وذكر منها توفير أنظمة لتقييم الأداء الوظيفي للعامل، وغاية ذلك تأطير هذه المؤسسات بإطار قانوني وإداري يتسم بطابع التنظيم المؤسسي.
ولقد أحسن المشرع العماني صنعًا من خلال إيجاد رابطة علائقية توازن بين الأداء المهني والاستحقاق المالي للعامل، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى توفير نظام لتقييم الأداء الوظيفي للعامل، وبذلك تم إيجاد رابطة توازي بين الكفاءة المهنية والإنتاجية وهذا الاستحقاق – وفق تقييم موضوعي – بغض النظر عن العامل الزمني الذي يقوم على مرور الزمن.
ويكمن التحدي الحقيقي التي تواجهه إدارات الموارد البشرية في كيفية إدارة ضعف الأداء قبل أن يتحول إلى قرار انهاء الخدمة. ومن ثم فان المؤسسة الناجحة هي التي تمتلك منظومة عمل واضحة، تبدأ بالكشف المبكر عن أوجه القصور، وفق معايير أداء موضوعية، والانتقال من مرحلة التقييم الأولي إلى مرحلة وضع الخطة المناسبة لمعالجة ذلك الأداء، مع تتطلبه تلك الخطة من توفير التدريب والدعم وفرص التحسين، دون إغفال التوثيق في جميع مراحل العامل المهنية.
وصفوة القول؛ أن تقيد المؤسسة بهذه الإجراءات، تنتقل بها من إدارة النمط الإداري للاداء المرتبط بالتقييم والجزاء، إلى منظومة مؤسسية تحقق غايتين متكاملتين: رفع كفاءة المؤسسة، وضمان عدالة القرارات الوظيفية.
